في خضمّ النقاشات المتكرّرة حول سلاح حزب الله والمطالبات المتجدّدة بنزعه، يبدو المشهد اللبناني وكأنه يعيد نفسه مراراً، من دون أية مقاربة جدّية أو خطوات ملموسة. فالنداءات التي أُطلقت منذ سنوات من أجل وضع هذا الملف على طاولة النقاش الوطني، بقيت حبراً على ورق، حتى بدأت الوقائع تفرض نفسها، واحدة تلو الأخرى، في شكل ما يمكن وصفه بـ”امتحانات الفلاتر”.
*الفلتر الأول* كان في قصر بعبدا، حين جمعت طاولة الحوار رؤساء الأحزاب اللبنانيّة، بما فيهم السيد حسن نصرالله، وكان السلاح بنداً أساسياً على جدول الأعمال. لكنّ التهرب والتسويف كان سيدَ الموقف.
*الفلتر الثاني* تمثّل في اقتراح واضح بتسليم السلاح إلى المؤسسة العسكريّة، حفاظاً على هيبة الدولة وقرارها السيادي. ورغم منطقيّة الطرح، قابلته الجهات المعنية بالصمت أو الرفض الضمني.
ثم جاء *الفلتر الثالث*، في عزّ الحرب على غزة، حيث أطلّ البعض بنغمة التهجم على المعارضة وكأن لبنان في منأى عن الخطر، لا احتلال فيه ولا خروقات ولا أزمات، متناسين أن السلاح بلا ضوابط يُضعف الداخل أكثر مما يُحرر الخارج.
وهنا، تستوقفنا قصة قديمة، لكنها راهنة في معناها…
*سقراط وفلاتره الثلاثة*
يروي التاريخ أن أحدهم أتى إلى سقراط ليخبره شيئاً عن أحد تلامذته. فسأله الفيلسوف:
هل أنت متأكد أن ما ستقوله *صحيح*؟
أجابه: “في الواقع، لا”.
ثم سأله: هل ما ستقوله *طيّب* أو فيه خير؟
قال: “لا”.
أخيراً: هل ما ستقوله *مفيد*؟
أجاب: “لا”.
فقال سقراط: “إذا لم يكن الكلام صحيحًا، ولا طيبًا، ولا مفيدًا، فلماذا تقوله؟”
هذا الفلتر الثلاثي – *الصدق، الطيب، الفائدة* – غائبٌ اليوم عن معظم الخطاب السياسي اللبناني، حيث تسود الإشاعات، والتحريض، والكلام من أجل الكلام، بلا نتائج تُذكَر.
فلنكن واقعيين: ما لم يُفتح ملف السلاح بشجاعة ومسؤولية، وفق منطق الدولة والمؤسسات، فستبقى الأمور تدور في حلقة مفرغة. وما لم يُعتمد *فلتر سقراط* في محاكمة الأفكار والتصريحات والمواقف، سنظلّ نقرأ المزامير… في غير أهلها.
فلنترك الضجيج ولنبدأ بالحلول …
وإلا … على من نقرأ مزاميرنا يا داوود …>>>>
بقلم: سمير كرم
تاريخ: ٢٩/ ١٢ /٢٠٢٥